أرشيف الأنباط

ordu haber
Al-anbat News

محاولة تحليلية لمحاور ومضامين الورقة النقاشية

سأتناول في هذه المحاولة التحليلية الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك من حيث محاورها الأساسية وما ورد فيها من مضامين ورسائل واضحة وتنبيهات وتوجيهات محددة ومباشرة.

تضمنت اللغة التي استخدمها جلالة الملك في الورقة النقاشية معاني الفخر والاعتزاز حيث قال جلالته « وإنني أجد نفسي، على الدوام، فخوراً بكم وبعزيمتكم وحبكم للوطن»، متبوعة بالعتب الذي لربما يصل درجة الانزعاج حينما أشار إلى ضرورة سريان مبدأ سيادة القانون على الجميع بلا انتقائية أو استثناء لأي أحد كائن من كان. لا استثناء لصاحب مكانة أو رتبة أو ابن لأي عائلة كانت، فما تقبله لغيرك اقبله لنفسك. وتضمنت الورقة النقاشية مشاعر الألم والغضب من إطلاق العيارات النارية في المناسبات والتهور في قيادة المركبات وعدم الالتزام بالقانون وغياب مبدأ تكافؤ الفرص وعدم مساءلة المجرمين ومحاسبتهم وغير ذلك من ظواهر سلبية فتاكة.

وفي الورقة أيضاً توجيه مباشر وحث للهمم على السلوك الإيجابي حيث قال جلالة الملك «وأطلب من كل مواطن أن يعبر عن حبه لبلدنا العزيز من خلال احترامه لقوانينه، وأن يكون عهدنا بأن يكون مبدأ سيادة القانون الأساس في سلوكنا وتصرفاتنا». ولم تخل الورقة النقاشية من أسئلة الاستنكار والاستهجان بقول جلالة الملك «فأي جيل يمكن أن يحمي سيادة القانون أو أن يدير مؤسساتنا وقد ترسخت الولاءات الفرعية فيه على حساب وطنه؟».

التحديات والملامح الأساسية للنهج والحلول

أشار جلالة الملك إلى أن تسارع الأحداث وتعمق النزاعات الإقليمية قد ولّد تحديات جسيمة ومعضلات متنوعة ومتداخلة آثارها كبيرة وطويلة المدى فمستقبل المنطقة يكتنفه الغموض. أرى أن في هذا رسالة واضحة أن يلتفت الجميع منا إلى الأهم الأعم «أمن الأردن واستقراره» لا الغرق في أي حسابات فرعية أو اهتمامات جانبية. السعي بطبيعته شتى، صالح الأوطان خير وغير أما صالح الأشخاص ومحاولة نشر أدواتهم وخيوطهم في كل مكان للقرار والمال فهو سلوك منبوذ ومذموم. وأوضح جلالة الملك أن السر في تقدم الدول وازدهارها يكمن في احترامها لمبدأ «سيادة القانون» وتبنيه كنهج حياة وطريقة عمل.

أكد جلالته على ضرورة ترجمة الأقوال إلى أفعال حيث قال «إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجردة ونظرية في غياب الاحترام المطلق للقوانين». وعليه، لا تذاكي بعد اليوم ولا خير في الأقوال ما لم تصدقها الأفعال ولا خير في المبادئ والمثل ما لم يمارسها من ينادي بها فتكون واقع حالهم ونبراس سلوكهم. وفي ذات السياق، نوه جلالة الملك إلى أننا على مفترق طرق وعلينا تحديد المسار الصحيح لنسلكه بثبات وعزيمة، فالسير في الاتجاه الخاطئ يضيع الفرص ويضاعف التكاليف والخسائر. كما بيّن جلالته أن التنوع علامة قوة ومنعة إذا ما أحسن توظيفه في مجتمع يسوده القانون وأن التمتع بالحقوق حق للجميع وتقاس المواطنة بحجم العطاء الحقيقي لا بكثرة العدد.

الإدارة وسيادة القانون

أوضح جلالة الملك أن مفتاح النجاح في تطوير الإدارة الحكومية يكمن في الممارسة والتطبيق، فعدم انعكاس أطر وأدوات وضوابط العمل العام مهما علت جودتها على سلوك الموظفين وتصرفاتهم يجعلها عديمة الفائدة والجدوى. ويتحكم بهذا الأمر من يتولى عملية التطبيق فالنجاح مسؤولية يتقاسمها الجميع مؤسسات وقيادات وموظفين.

ويُفهم من سياق الورقة النقاشية أن فاقد الشيء لا يعطيه والفعل مرآة لفاعله والرئيس قدوة لمرؤوسيه لا يستطيع أن يجبرهم على عمل لا يعمله هو أو يدفعهم إلى سلوك لا يسلكه هو. وشدًد جلالة الملك على تطبيق القانون على المسؤول قبل المواطن. ونستدل من الورقة النقاشية أيضاً على أن المحاباة أو التساهل أو التواني في تطبيق القانون يغذي سوء السلوك وينمي حالة الاستخفاف بالمخالفة ويزيد تكرارها مما يضعف على المدى الطويل من الثقة بمؤسسات الدولة وبالقائمين عليها، فاستعادة الثقة أصعب ألف مرة ومرة من بنائها. كما أن المواطنة الحقة لا تفرض ولا هي مطعوم يحقن في الوريد بل هي سلوك ينبع من الداخل يحفزه حسن سلوك وأداء المسؤولين بل أستطيع القول إنهم بسلوكهم الإيجابي من أبرز صُناعها.

أكد جلالة الملك على أن المساءلة والمحاسبة أساس الإدارة الحصيفة والضامن الحقيقي لنجاح أي جهود لتطويرها، وأن غياب الرقابة على اختلاف مستوياتها ومراحلها وأدواتها يولّد التراخي والإهمال بل التقصير والمخالفة. وأشار جلالته إلى أن الواسطة والمحسوبية تحبط المبدعين وتخلق لديهم الشعور بأن لا مستقبل لهم من دونها. وتضمنت الورقة النقاشية دعوة المؤسسات ذات الاختصاص إلى بناء الأجيال وتمكينهم وتوسيع مداركهم وترسيخ ثقافاتهم وقيميهم وتطوير انماط تفكيرهم من خلال تزويدهم بالأدوات لا التفكير أو العمل نيابة عنهم. كما نوه جلالته إلى أن أول استثمار مجدٍ من الدرجة الأولى وله قيمة مضافة وانعكاس حقيقي ملموس وسريع على أداء المؤسسات هو في حسن اختيار قياداتها فخير من استأجرت القوي الأمين كما إن في كفاءة ربان السفينة سر نجاتها.

تطوير القضاء قيمة مضافة يلمسها الجميع

إن أول ما يهم المرء في موطنه وقبل أي شيء آخر «الأمن والقضاء» وما عدا ذلك يأتي ترتيبه لاحقا. وهذا أيضاً حال من يقصد أي دولة للاستثمار أو التعليم أو السياحة أو العلاج أو غيرها. وبينت الورقة النقاشية أن أثر الخلل في إجراءات التقاضي وطول مدته لا يقل عن أثر أي خلل في أحكامه.

كما أن تنوع القضايا واختلافها وتداخل معطياتها وزيادة فنية بيناتها ودفوعها يرجح ضرورة الاختصاص في كل مجال من مجالاتها، فرأس المال البشري القضائي هو المقصد المستهدف بشكل أساسي من حيث تطوير قدراته ومهاراته وتزويده بالأدوات التي تمكنه من النجاح في مهامه والتميز في أدائه.

مدنية الدولة

نظراً لعدم وجود وصف واحد متعارف عليه عالمياً لمفهوم «الدولة المدنية» نتج عن ذلك عدم وجود فهم موحد له وبالتالي يتداول الناس تصورات تختلف باختلاف أصحابها من الساسة والمفكرين وهذا أحدث سوء فهم أو لغط حول هذا المفهوم وأبعاده ومراميه. وربما نجم هذا الاختلاف في الآراء والتفسيرات عن اختلاف الإطار الثقافي التاريخي والبيئي للبلدان محل الحديث عن غيرها.

لقد تضمنت الورقة النقاشية تقديم تعريف إجرائي شامل لمفهوم الدولة المدنية يقوم على عدة مبادئ لا يختلف عليها أثنان منها «إن الدولة المدنية هي دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة؛ وهي دولة المؤسسات التي تعتمد نظاما يفصل بين السلطات ولا يسمح لسلطة أن تتغول على الأخرى، وهي دولة ترتكز على السلام والتسامح والعيش المشترك وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية واحترام الرأي الآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، وهي دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات حيث يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات، وهي دولة يلجأ لها المواطنون في حال انتهاك حقوقهم، وهي دولة تكفل الحرية الدينية لمواطنيها وتكرس التسامح وخطاب المحبة واحترام الآخر وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات». وهذه المبادئ تتفق تماماً مع الدستور بل مضمنة بشكل واضح وصريح في أحكامه وما انبثق عنها من قوانين. ما يهمنا في نهاية المطاف مضمون ومحتوى المفهوم الذي نتحدث عنه، لا أن نحاكم الموضوع بمفهوم الغير أو بالاستناد إلى ما حدث من سوء فهم أو لغط حوله.
الرأي