أرشيف الأنباط

ordu haber
Al-anbat News

مِمّا يَعُمُّ ولا يَخُصُّ

 

 

للكتابة أسباب كما ان للشعر اسباباً..

ولعل اكثر اسباب الكتابة تهافتا تلك التي يُمليها احساس مُلحٌّ بضرورة ان يكون للمرء رأي مسموع، لا لأن ضميره يقضي بذلك او ان الواجب الاخلاقي يفرضه عليه، ولكن لانه قد نصب نفسه كاتبا، وان عليه ما على الكاتب من طقوس يُنتظر ان يؤديها احسن اداء، تماما كما ينتظر من الممثل ان يؤدي دوره المنوط به في هذه المسرحية او تلك..

ان وقوع المرء تحت وطأة الاحساس بان عليه ان يكتب لمثل هذا الدافع الخارجي لا لدوافع داخلية تتعلق بشخصيته هو وبما يعتمل في ذاته من خواطر وافكار او بما وَقَر فيها من معطيات تجاربه او استقر من رؤاه، سيجعل منه في احسن احواله مرآة للآخرين، وسيخرجه من اصالته الى ان يكون صدى او ردة فعل او بوقا، او ما شئت الا ان يكون هو نفسه، وساعتئذ يفقدُ معناه بما هو كاتب كما يفقد الشاعر معناه حين يظل مأسورا لفكرة مُلحة بانه قد نصب شاعرا، وان عليه ان يؤدي رقصة الشاعر سواء اوجد في اعماقه رغبة في ذلك ام لم يجد.

ان الكتابة بما هي فعل حياة تختلف اختلافا جوهريا عن الكتابة بما هي فعل «تكيف» او فعل «مقايضة» او فعل «مداهنة» وهي تفقد مسوغاتها ان خضعت لأي من هذه الارتهانات.

وكذلك الشعر، ان لم يكن عملا من «اعمال القلوب» فهو اشبه شيء بالغناء، حسب رغبة الجمهور، في صالة افراح. وهيهات ان تكون ثمة صلة بين رغبات الجمهور وبين حقائق الشعر وجوهره الاصيل.

ان معظم ما نقرؤه او نسمعه يقع في حدي: الوهم الذاتي، واستعراض المهارات (امام المصنفين او المصطنعين او دافعي اعلى الاجور)، وليس يُرجى من مثل هذه الحال الا ما تتأدى اليه بالضرورة من اسوأ العواقب على حياة العقل والشعور، وهي ان تمادت بنا جعلتنا اسرى لشكلانية فارغة تستغرق واقعنا وحيواتنا، وتباعد ما بيننا وبين ان نعي حقائقنا، وحقائق العالم من حولنا.

ولقد يمكن لنا ان نمتد بهذا «التشخيص» الى ما نراه من غلبة المظهرية على السياسة والدين، اي على المشتغلين بهما، بحيث يصعب إلاّ على المستبصرين التفرقة بين ظاهر وباطن، او بين الادعاء والحقيقة عند من هو مستخف بالليل منهم او سارب بالنهار.

والأُمور في كل حال مرتبط بعضها ببعض، والوباء يَعُمّ ولا يخص، وكما قال ابو العلاء فانه:

ما خصَّ مِصراً وَبَأُ وحدها

بل كائن في كلّ أرضٍ وَبَأ.

الرأي