أرشيف الأنباط

ordu haber
Al-anbat News

مكافحة الفساد جزء من منظومة حماية البيئة

 

9  شروط لتحقيق الاستهلاك المستدام

 د. نهاية القاسم

 يقصد بالاستهلاك المستدام ؛ تغيير أنماط وعادات الاستهلاك؛ من أجل ترشيد استهلاك الموارد واستدامتها، كتقليص استعمال موارد الطاقة، أو تقليل كميات الطعام التي يقذف بها إلى مكبات القمامة، وتفضيل السلع المعاد تدويرها، وتفضيل السلع التي تتضمن كفاءة الطاقة وبصمة كربونية متدنية، فضلا عن توجيه فائض الدخل نحو استهلاك الخدمات والنشاطات الترفيهية غير المادية، والاتصالات والتربية والتعليم، بدلا من استهلاك السلع المادية.

يهدف الاستهلاك المستدام إلى إيجـاد حـلول يمكن تطبيقها على الاختلالات-الاجتماعية والبيئية-من خلال السلوك المسؤول لجميع الأشخاص. ويرتبط الاستهلاك المستدام بوجه خاص بالإنتاج والتوزيع والاستخدام والتخلص من المنتجات والخدمات ويوفر أسلوباً لإعادة النظر في دورة الحياة. فالغرض هو ضمان تلبية الاحتياجات الأساسية لكل المجتمع الدولي، وتقليل الإفراط وتجنب الإضرار بالبيئة.

ولا يفهم مما سبق، أن الاستهلاك المستدام يهدف إلى خفض مستوى المعيشة؛ بل تحديدا، التفتيش عن فرص تجارية واقتصادية ابتكارية جديدة، تتناسب مع الاحتياجات والسوق المحليين.  ولإحداث التغيير الجوهري في العادات الاستهلاكية، وهنا لا بد من التدخل الحكومي الفعال، من خلال استخدام بعض الأدوات الاقتصادية والتطوعية والتنظيمية والمعلوماتية، بما يتناسب مع الهدف.  ويفترض أن تكون المؤسسة الرسمية أن تبدأ بتنفيذ سياساتها في مجال الاستهلاك؛ بحيث تشكل قدوة لجميع المواطنين، وبالتالي، تكون المقتنيات الحكومية من سلع مادية وخدمات، ومقتنيات مستدامة.

من هنا كان الاستهلاك المستدام في البلدان العربية تحديدا هو موضوع التقرير السنوي للمنتدى العربي للبيئة والتنمية الذي عقد في بيروت مؤخرا وبمشاركة 22 بلداً لمعرفة مدى قبول الرأي العام العربي بتعديل العادات الاستهلاكية، إذ من المعروف أن المجتمعات العربية مجتمعات مستهلكة، فجاء التركيز على أن الإدارة الرشيدة للموارد تتطلب تعديلاً في أنماط الاستهلاك وليس دائماً زيادة الإنتاج، خصوصاً في مجالات المياه والطاقة والغذاء.

فإذا أرادت المجتمعات العربية أن تتحول تدريجياً إلى الاستهلاك والإنتاج المستدامين، فعلى كل بلد أن يحدد الإجراءات ذات الأولوية والظروف الممكّنة الضرورية لتسهيل ذلك التحول، على أساس الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الخاصة بالبلد. لكن الإجراءات الحكومية وتدخلات السياسات، رغم أنها ضرورية، لن تكون كافية من دون إشراك مختلف الفاعلين والمعنيين في المجتمع.

فالاستهلاك المستدام قدر لا خيار، وعلينا أن نربط ما نعيشه الآن وما نتمناه في الغد، ونخطط للأجيال القادمة والتي لم تولد بعد، فعلى المؤسسات والهيئات المختصة والجمعيات والعائلات والأفراد للعمل على نشر الوعي بين أنفسهم وأهليهم لتطبيق مفهوم الاستدامة في كافة مناحي حياتهم العامة والخاصة بما يحقق الفائدة المرجوة للإنسان والمجتمع في إطار تحقيق التنمية المستدامة.

أن فرط الاستهلاك هو بالأساس أحد مفرزات مجتمع الرفاه والبحبوحة الاقتصادية، وأنماط الاستهلاك الحالية مربوطة برفاهية الإنسان، فإلى أي حد سوف يتراجع الإنسان عن مستوى معين من الرفاهية لصالح حماية الموارد والتنمية المستدامة ؟

لجمعيات حماية المستهلك وحماية البيئة دور هام في هذا البرنامج التوعوي يجب أن تلعبه بالتعاون مع جمعيات الشباب والأسرة وغيرها، فالثقافة الاستهلاكية الرشيدة هي أحد أهم العوامل للاستهلاك المستدام.

فالاستهلاك المستدام عنصر مكمل للتنمية المستدامة ومسألة في غاية الأهمية، والتنمية المستدامة هي التي تلبي احتياجات الحاضر دون المخاطرة بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجات المستقبل. وللمجتمع المدني والقطاع الخاص والجمهور دور مهم في إحداث تغيير في أنماط الاستهلاك والإنتاج وصولاً إلى استخدام الموارد الطبيعية الشحيحة بطريقة أكثر كفاءة واستدامة. وعلى الحكومات اعتماد مجموعة من التدابير لتخضير اقتصادها، وفق الظروف المحلية لكل بلد. وحتى يتحقق الاستهلاك المستدام فلا بد من توفر ما يلي:

 

- الحوكمة الرشيدة

 

من الضروري توافر نظام حوكمة قوي يعزز الشفافية والمساءلة ومشاركة المعنيين، من أجل دعم أنماط الاستهلاك والإنتاج الأكثر استدامة والتحول إلى اقتصاد أخضر. ومكافحة الفساد هي أيضاً شرط أساسي لقيام حوكمة قوية وكفوءة.

ومن الأدوات التي يمكن استخدامها التقييمات البيئية الاستراتيجية، وتقييم الأثر على مستوى المشروع، وتحديد مؤشرات التنمية المستدامة، وتحليل دورة الحياة، والمحاسبة البيئية والاقتصادية المتكاملة، ومراجعة الإنفاق البيئي.

 

-صنع السياسة المتكاملة

 

من الضروري دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية مع السياسات المايكرواقتصادية والقطاعية لتحقيق تنمية مستدامة. ويشمل صنع السياسة المتكاملة تعميم أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامين وتخضير الاقتصاد.ويشمل التكامل تعزيز ممارسات أكثر استدامة في الإنتاج والاستهلاك وكفاءة الموارد، وتخفيف النفايات وصولاً إلى تجنبها، وإدخال التكنولوجيات الابتكارية واستخدامها، وتعزيز تنافسية المنتجات النهائية، وخلق فرص عمل.

ويجب إيلاء اعتبار خاص للمجتمعات المحرومة والمهمشة، وأن يرافق إصلاح دعم أسعار المياه والطاقة والغذاء إدخال إجراءات تعويضية مثل خلق فرص عمل وسكن معقول الكلفة ونظم نقل عام، فضلاً عن الخدمات الاجتماعية.

 

 

-الحوافز القائمة على السوق

 

يجب تصميم الحوافز الاقتصادية لدعم آليات التحكم التنظيمية، واختيارها بعناية لكي تؤثر في السلوك باتجاه أنماط إنتاج واستهلاك أكثر استدامة. كما يجب تصميم نظام حوافز لتشجيع مشاركة القطاع الخاص واستثماراته في المشاريع الاجتماعية ومشاريع البنى التحتية. وهناك حاجة لإصلاح مجمل النظام المالي والضريبي لتحقيق هذا الهدف. . وسوف يخفض هذا الاصلاح الضغط على الموازنات الحكومية، ويساهم في إطلاق الموارد المالية لتوفير الخدمات الاجتماعية الملحّة وتمويل النشاطات والاستثمارات البيئية في الموارد البشرية والأبحاث والتطوير.

 

- تنمية الموارد البشرية

الاستثمار في تنمية الموارد البشرية عامل رئيسي في إحداث تحول نوعي نحو أنماط استهلاك وإنتاج مستدامة، ودعم الجهود الحكومية لتحقيق تنمية مستدامة. والاستثمار في الرأسمال البشري، من خلال نظام تعليمي محسن يدمج اعتبارات الاستدامة في كل التخصصات، هو شرط أساسي لتوفير الكوادر اللازمة على كل المستويات، أكانت إدارية أو تقنية أو ماهرة، لدعم الانتقال إلى اقتصاد أخضر ومستدام. ومن شأن مجتمع واع ومتعلم أن يقطع شوطاً بعيداً في دعم الانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة واخضراراً يستخدم الموارد بطريقة متعقلة وأكثر كفاءة.

 

- الأبحاث والتطوير

 

ان استخدام وسائل التكنولوجيا والممارسات الابتكارية ضرورية لدعم الانتقال إلى اقتصاد مستدام. وقد كانت قدرة العرب على البحث والتطوير منخفضة جداً بسبب عوامل كثيرة، منها الافتقار إلى الاستثمارات في هذا المجال الذي تخصص له البلدان العربية عموماً نسبة صغيرة من ناتجها المحلي الإجمالي.

 

-المشتريات العامة الخضراء

يمكن أن يكون الإنفاق الحكومي أداة فعالة في تحفيز أنماط الاستهلاك والإنتاج المستدامة في المجتمع، من خلال توجيهه نحو منتجات وخدمات خضراء.  وتشمل المنتجات العامة الخضراء المكاتب والمدارس والمستشفيات والأبنية الحكومية الأخرى، ونظم النقل، والبنية التحتية العامة، ومواد البناء، والمعدات واللوازم المكتبية، وسواها.

- الوعي العام

تشكل التوعية ونشر المعلومات أدوات فعالة لدعم الجهود الحكومية في تحديد وتعميم الفوائد الناجمة عن أنماط الاستهلاك المستدام للصحة والبيئة والاقتصاد. وكما أوضح استطلاع المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)، فإن أنماط الاستهلاك غير المستدام تعزى في حالات كثيرة إلى انعدام الوعي حول التداعيات السلبية لأنماط الاستهلاك المفرط والمهدر على الصحة والبيئة واستعمال الموارد.

هذه الأدوات يمكن أن تكون في شكل حملات على الإنترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي والإعلانات والمنشورات. كما يمكن أن تكون في شكل مواد تعليمية وتقارير ونشرات إعلانية وكتيبات توزع في المدارس والمرافق التجارية والعامة.

-إطار العمل التنظيمي

توفر القوانين والأنظمة وسيلة قوية وفعالة لدعم وتشجيع الانتقال إلى أنماط استهلاك وإنتاج أكثر استدامة في العالم العربي. فالترخيص للمنتجات التي تزرع بطريقة مستدامة، واعتماد ملصقات التصنيف البيئي وملصقات كفاءة الطاقة، على المعدات الكهربائية والسيارات مثلاً، هي أدوات محتملة يمكن وضعها موضع التنفيذ من خلال الأنظمة.

يعد الاستهلاك المستدام أهم بنود خطـة العـمل الخاصة بالتنمية المسـتدامة والتي أقرت في قمة الأرض للبيئة في ريو دي جانيرو 1992 (فإن السبب الرئيسي في التدهور المستمر للبيئة العالمية هو نمط الاستهلاك والإنتاج غير المستدام، لا سيما في البلدان الصناعية).

وأنه لم يعد الاستمرار في العيش بأنماط تفوق إمكانيات كوكب الأرض خياراً فعالاً على المدى الطويل، فالقضية تتمثل في تغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك بسرعة تكفي للحاق بالنمو الاقتصادي. فسكان أمريكا (على سبيل المثال) يشكلون 5 – 6 % من سكان العالم، يستهلكون 30 % من موارد الأرض وينتجون 40 % من نفايات العالم؟

بإمكاننا أن نحيا بطريقة أفضل مرتين، لكن باستخدام نصف ما نستخدمه من الموارد الأرضية؟ النفايات هي مواد أولية مهدورة يمكن إعادة توظيفها في صناعة أخرى، وهذه هي دورة الحياة (من المهد إلى اللحد).

ومن أجل معرفة كيف ينظر الناس إلى أنماط الاستهلاك وإلى أي مدى هم على استعداد لتبديل عاداتهم، أجريت استطلاعات موسعة للرأي العام، استقطب 31 ألف مشارك من 22 بلداً عربياً. وقد وجد الاستطلاع أن الجمهور العربي على استعداد لكي يدفع أكثر لقاء الكهرباء والوقود والماء ولتغيير عاداته الاستهلاكية، اذا كان هذا يساهم في رعاية الموارد وحماية البيئة. وعبرت أكثرية تجاوزت 80 في المئة عن قبولها بتغيير في العادات الغذائية وأصناف الطعام، شرط توفير الأصناف البديلة بكميات كافية وأسعار مناسبة. وأظهر الاستطلاع اهتماماً متزايداً بكفاءة الطاقة، إذ قال أكثر من النصف إن مستوى استهلاك الكهرباء والوقود هو الشرط الأساسي الذي يحكم اختيارهم للأجهزة المنزلية أو للسيارة. واللافت أن غالبية كبيرة، وصلت الى 99 في المئة في بعض البلدان، تعتقد أن الحكومات لا تعمل بما فيه الكفاية لمعالجة المشاكل البيئية، وأن وضع البيئة في معظم البلدان تدهور خلال السنين العشر الأخيرة.

وأخيرا نأمل ألا تقع البيئة ومنظماتها ضحية للحروب والنزاعات، لكننا نرجو في الوقت نفسه، أن يساعد هذا التقرير وتوصيات المؤتمر الدول العربية على اعتماد سياسات ملائمة تفضي إلى إدارة أفضل للموارد الطبيعية، وتشجع الناس على تغيير عاداتهم الاستهلاكية لتعزيز الكفاءة وتخفيف هدر الموارد.