أرشيف الأنباط

ordu haber
Al-anbat News

صمت عربي يثير الشك

 بلال العبويني

يثير التعاطي العربي "الفاتر" مع ذهاب أكراد العراق للاستفتاء على الاستقلال عن الدولة العراقية كثيرا من علامات الاستفهام التي تصل حد الشك في دعم خيارهم فيما يسمى بحق تقرير المصير ومن ثم الانفصال.

هذا الشك يقابله أيضا علامات استفهام على عدم تحمس دول كبرى للاستفتاء، على الرغم من أنه طالما كان لها خطط لتقسيم الجغرافيا العربية إلى دويلات صغيرة. وهو ما كان مطروحا وربما ما زال في ليبيا وسوريا والعراق على وجه التحديد.

نعلم أن انتهاء نتيجة الاستفتاء لصالح الانقسام والاستقلال لا يعني أن الانقسام والاستقلال سيصبح أمرا قائما مجرد خروج النتيجة، لكن ذلك سيظل القاعدة التي سيرتكز عليها الأكراد لإعلان الاستقلال متى تهيأت الفرصة المواتية لذلك، وهو ما قد يشجع أبناء ملتهم في سوريا على وجه التحديد على إجراء مماثل.

الموقف العربي الرسمي، ومنذ اندلاع ما سمي بـ "الربيع العربي" مخزٍ، حيث بدلا من أن تساهم دول العرب في حل أزمات شقيقاتها، ساهمت بعضها في تأجيج الصراعات الداخلية بتدخلها المباشر ودعمها أطرافا محسوبة عليها على حساب أخرى، ما أخر أمد الصراعات ووصول دول الأزمات إلى مستويات مؤلمة من الخراب والعنف والدمار والانقسام المجتمعي.

فدول العرب لم تكن منذ بداية الأزمة في سوريا مثلا وسيطا نزيها لحل الصراع، ولو كان هناك من لعب دور الوسيط النزيه لكانت المنطقة اليوم تنعم بكثير من الأمن والاستقرار ولكانت مؤشرات التنمية بالمطلق في وضعية معاكسة عما هي عليه اليوم.

صمت العرب فيما تعلق بالمسألة الكردية، يبرره واحدة من اثنتين إما دعما صامتا لاستقلالهم عن الجغرافيا العراقية، أو أن ما لديها من أزمات مستحدثة يجعلها تنكفئ عن الانشغال بقضايا غيرها حتى وإن كانت تلك القضايا من مستوى إعادة تقسيم الجغرافيا العربية.  

استقلال إقليم كردستان عن الدولة العراقية، يعني زراعة كيان غريب داخل الجسم العربي، وهو الجسم الذي بلا أدنى شك تثير تحالفاته مع دولة الاحتلال الإسرائيلي الكثير من الخوف والريبة حول المستقبل الذي سينتظر دول العرب من جراء ذلك التحالف.

كما ويثير الخوف من أن تلجأ قوميات وطوائف أخرى تعيش على الأرض العربية من المناداة إلى تحقيق استقلالها عن الدول الأم، لتتفرخ بعد ذلك الدول والكيانات واحدة بعد أخرى.

الأكراد، هم جزء من المجتمعات التي يعيشون فيها، فهم في العراق جزء من النسيج العراقي وكذا الحال في سوريا وتركيا وإيران، وبالتالي لهم الحق في أن يتحدثوا بلغتهم، لكن كلغة ثانية وليست رسمية، أو ضمن اعتبارها كواحدة من اللهجات المحلية، ولهم الحق أيضا في إظهار ثقافتهم وموروثهم الخاص لكن ضمن إطار الفلكلور الوطني الجامع الذي يصب تنوعه في صالح الدولة الوطنية الجامعة.

صمت العرب ليس في صالحهم، إذ يجب أن يكون لهم كلمة باتجاه الحفاظ على الجغرافيا العربية موحدة لأن صمتهم وإنجاز الأكراد استقلالهم أو التصويت لصالحه يعني أن الدور سينتقل من العراق إلى دولة أخرى وسينتقل من الاكراد إلى قوميات وطوائف أخرى موجودة على الاراضي العربية.

وبالتالي، فإنه مثلما لم يكن العرب وسيطا نزيها في أزمات الدول العربية الأخرى، فإن عدم تفاعلهم كما ينبغي مع استفتاء الاكراد يثير الشك والريبة من المصلحة في وجود كيان غريب يشابه ذلك الذي تم زرعه على أرض فلسطين منذ عام 1948.