أرشيف الأنباط

ordu haber
Al-anbat News

تفاصيل نصف ساعة في يوم نيابي


تفاصيل نصف ساعة في يوم نيابي

وليد حسني

بالأمس كنت في مجلس النواب، لم أدرك إن كنت زائرا يبحث عن نائب بعينه لمساعدته في مطلب ما، أم انني كنت امارس طقسا يوميا تعودت عليه منذ نحو 21 سنة قضيتها على شواطىء السلطة التشريعية، يسكنني الحب والإحترام، كما يحكمني الغضب والتبرم والنقد كلما رأيت السلطة نفسها تتجه ببوصلتها بعيدا عن الناس.

كنت زائرا خفيف الظل ـ هكذا تخيلت نفسي ـ  فمنذ فض الدورة الاستثنائية الاولى للمجلس أوائل شهر آب الماضي لم أدخل مبنى المجلس على خاصرة العبدلي إلا مرة واحدة وهذه هي المرة الثانية.

بخلاف السنوات الإحدى والعشرين التي قضيتها في تغطية مجلس الأمة لم أسجل مثل هذا الغياب بالمطلق، بالأمس صباحا قلت لنفسي لنذهب سويا ، لعل ثمة شيء نلقاه ليعيدنا إلى أعظم واهم وأخطر سلطة في الدولة ، وانا اتحدث هنا عن المسطرة الأممية للمجالس البرلمانية بصفة عامة.

أول نائب صادفته كان يحتضن اوراقا وملفات، تعانقنا ولم نتاشكى الشوق، إلا من سؤال عابر" أين انت؟؟"، وانتهى بنا الحديث وسط الكورودور المؤدي الى البوابة الداخلية لمكاتب النواب بسؤال النائب عن أسباب سمنتي وتضخمي الدهني.. كنت اضحك في داخلي وهو يقول لي إنه فقد من وزنه 6 كيلوغرام، فأنا لم ألحظ حقيقة ما كان يتفاخر به..

صعدت الدرج كالعادة، امام قاعة الصور ثمة نواب وموظفين وجلبة في الممر، حانت مني التفاتة الى يميني ثمة نائب يلوك علكا ويحمل بضع اوراق، ويتمشى في الكورودور وهو منهمك تماما في مكالمة تلفونية بدت هامة تماما.

في إحد المكاتب حضر نائب سلم بحرارة وهو يقول إنني اليوم على إذاعة كذا.. انتقدت المواطنين وطلبت منهم أن لا يسألوننا ماذا فعل النواب لنا، نحن لا نملك قرارات ونوزعها ونصدرها، وعلى المواطنين أن يسكتوا.

لم يعلق احد، فقد حضر نائب ثاني واقتعد مكانا قبالتي في الوقت الذي كانت فيه وجبة من سندويتشات الفلافل تصل طازجة كان النائب قد أوصى بها.

شدد في دعوته الحضور لمشاركته وهو يؤكد شوقه للفلافل، تناول  سندويشة واحدة وأبقى الوجبة الكبيرة على الطربيزة ليترك لمن سيحضر نيل نصيبه منها.

دخل نائب ثالث ثم نائب رابع وأصبح الحديث عن الفلافل موضوع جدل وتندر، قال النائبان إنهما لن يأكلا الفلافل فقد قضوا حياتهم وهم يأكلون الفلافل، وشوربة العدس، واكلات أخرى شعبية لا أعرفها انا شخصيا.

بدا الفلافل منبوذا تماما على الطربيزة، لم يقل احد من النواب إن كان الفلافل سيبقى هو الوجبة الرئيسية الدسمة للمواطنين، ومصدر أمنهم الغذائي بالرغم من ارتفاع أسعاره وتحكم قوى الفلافل الإقتصادية في الغذاء الإستراتيجي للمواطنين، فيما كان احد النواب يتحدث باهتمام عن وجبات الخبز والشاي التي رافقته لأكثر من نصف عمره.

نائبان قالا إنهما مدعوان الى وليمتي غداء مختلفتين فكل منهما له وجهته، فيما قام احدهما بتناول سندويشة مجاملة للنائب صاحب الدعوة.

غادر النائبان المكتب كل الى وجهته، في الوقت الذي كان فيه النائب صاحب الدعوة يسأل عما إذا كانت تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية قد وصلت المجلس، اجبته بحضور زميل صحفي كان يجلس الى جواره، حتى الآن لم تصل المجلس، واردف متسائلا عن أبرز التعديلات الواردة.

تحدثنا قليلا عن مفهوم الكراهية وكيفية حصرها والتعامل معها ومخاطر تعديلات القانون التي ستعتدي على الحق الإنساني للمواطنين بحرية الرأي والتعبير، وكيف ستخالف التعديلات الحكومية المقترحة لمنطوق الدستور السامي، والتزامات الأردن الأممية التي وقعتها على نحو الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

قبل أن تنتهي تفاصيل المشهد دخلت سيدة في نحو الستين من عمرها تسأل إن كان احد من النواب يمكنه تقديم مساعدة مالية لها لكونها مطالبة بدفع أقساط مالية، وأن القرض الذي حصلت عليه كان باسم ابنتها طالبة التوجيهي التي قد تتعرض للسجن بسبب ذلك الدين..

تم توجيهها لأحد النواب الأعضاء في المكتب الدائم للمجلس الذي قد يقدم لها يد المساعدة وينقذها وينقذ ابنتها طالبة التوجيهي من سجن محقق..

انتهت التفاصيل الى هنا، أو أنني أكتفي بالرواية إلى هذا الحد، فليس لدي الكثير لأقوله في هذه الصورة التي تختزل نحو نصف ساعة فقط في مجلس النواب كنت طرفا فيها، فيما مئات التفاصيل الأخرى تجري في مكاتب وأماكن اخرى بعيدا عن التفاصيل التي فرضت نفسها علينا..

في مجلس النواب ثمة آلاف التفاصيل التي تجري في كل ساعة، ولا يمكن لأحد الإحاطة بها، او حصرها، إلا ان مجلس النواب يبقى هو المكان الوحيد الذي تشعر فيه أنك في بيتك، وانك انت من يملك هذا المكان، وكيف لا وانت من بين كل الأردنيين لك حصتك من هذه السلطة التي تمثلك،والتي اخترتها بإرادتك، ويتوجب عليك الدفاع عن استمراريتها وتطورها كمؤسسة دستورية تعنيك وتعني الأجيال والمستقبل، بالرغم من كل خطايا الحاضر، واخطاء التاريخ..//