أرشيف الأنباط

ordu haber
Al-anbat News

نابشو الحاويات: قمامة الأغنياء قوت للفقراء

 

 

 

الأنباط – رنيم الدويري


في وقت ترتفع فيه مؤشرات انتشار الفقر في المملكة عاما بعد عام، يجد فقراء "معدمون" في امتهان نبش الحاويات سبيلا لتأمين قوت يومهم، فالمخلفات التي لم تعد تعني لأصحابها شيئا، تعتبر كنز لدى اخرين.

 

فالنفايات غدت مصدرا يوفر حاجات أسر بأكملها تعتاش على البحث عما تيسر في الحاويات من بقايا طعام يمكن تناوله، أو استصلاح حاجيات عبر إعادة تدويرها وثم بيعها طلبا للرزق.

 

وتتنوع المخلفات التي يبحث عنها نابشو الحاويات بين المعادن (الحديد والالمنيوم)، والبلاستيك، واية بقايا أخرى تصلح للاتجار بها.

 

ويجمع هؤلاء النابشين، الذين لا توجد إحصائيات رسمية ولا سواها تحدد أعدادهم، على أن الفقر والحاجة وحدهما يدفعان بهم إلى مثل هذه المهنة.

 

اشعث، أغبر، يبدو وكأن هموم الحياة تجمعت على كاهله؛ فحنت ظهره و"هدت حيله"، كان صالح (وهو اسم اختاره لنفسه، رافضا كشف اسم عائلته لأسباب اجتماعية)، يقف أمام حاوية وهو يحمل على كتفه كيسا كبيرا يميل لونه إلى السواد، من عبء ما يحمل داخله من بقايا، وما يشكل بنفسه من عبء على كاهل حامله.

يقول صالح بنبرة لا تخفي الحزن والانكسار، إنه عاطل عن العمل منذ سنوات لم يعد يذكر لها عدا، ولا يجد عملا إذ أنه غادر التعليم مبكرا قبل أن ينهي المرحلة الأبتدائية، في وقت يعيل فيه أسرة مكونة من خمسة أطفال وزوجته، بالإضافة إلى أمه التي تقطن معه في نفس المنزل المكون من غرفة واحدة تتبعها صالة صغيرة، في واحدة من مناطق شرق عمان.

وامام هذا الواقع وجد صالح نفسه مضطرا لنبش الحاويات بحثا عن أي شيء يمكن بيعه، كما يقول، مشيرا إلى أنه عادة ما يخرج صباحا للبحث عما "تيسر"، ليبعه بعد الظهر إلى محال متخصصة بتجارة "الخردة".

 

ووفقاً لآخر تقرير لدائرة الاحصاءات العامة وصلت نسبة الفقر بين الأردنيين لعام 2010 الى ما يقارب 14.4 بالمائة من مجموع سكان المملكة الذي وصل إلى ستة ملايين و113 ألف نسمة في ذلك العام، الذي سجل نسبة 3.6 بالمائة تحت بند "فجوة الفقر" التي تعكس حجم الفجوة النقدية الإجمالية اللازمة لرفع هؤلاء من مستوى تحت خط الفقر إلى خط الفقر.

 

وبحسب "تقرير حالة الفقر في الأردن"، الذي أصدرته الدائرة في العام 2012 استنادا لبيانات مسح نفقات ودخل الأسرة، فقد وصلت نسبة الفقر لعام 2008 الى ما يقارب 13.3  ونسبة فجوة 2.6، مقارنة مع نسبة فقر لعام 2006 وصلت الى ما يقارب 13 ، وإلى 14.2 في العام 2002.

 

ولا تنكر أمانة عمان انتشار ظاهرة نبش الحاويات، لكنها تعتبر أنها على حد رأي مدير دائرة معالجة  النفايات في الأمانة المهندس عمر عربيات "أصبحت ثقافة للبعض لتحصيل قوت يومهم"، رغم تأثيرها السلبي على مظهر المدينة.

وفي السياق، يشير عربيات إلى ان لـ"عملية نبش النفايات تبعات سلبية صحية في المقام الاول على من يمارسون هذه المهنة، فضلا عن التاثير السلبي البيئي من خلال بعض الممارسات بقلب الحاويات للحصول على مخلفات النفايات كالخردة والحديد ما يتسبب بانتشار القوارض والكلاب الضالة والحشرات".

 

ويكشف العربيات عن تراجع ملموس لما يسمى بـ"اللميمة" (أي جامعي النفايات) في موقع مكب الغباوي منذ عام 2006 حين كان عددهم يصل إلى 200 شخص، و"ذلك بعد ان تم وضع نقطة شرطة بالموقع للحد من ممارسة هذه المهنة".

 

و"يصعب" على الأمانة السيطرة على نحو 24 ألف حاوية تنتشر في شوارع واحياء وأزقة العاصمة ما يجعل منها "موقعا مفتوحا أمام نابشي الحاويات، وفقا لعربيات، الذي يضيف أن الأمانة "تتعاطى مع ظاهرة نبش النفايات بتفريغ الحاويات اولا باول، وعدم تبييتها لليوم التالي وذلك بعد تحديث اسطولها بالطاحنات والكابسات".

ويعرض نابشو الحاويات أنفسهم لبعض الحوادث جراء وجود أدوات معدنية حادة في النفايات قد تسبب اصابتهم بجروح يمكن ان تصل آثارها الجانبية الى الاصابة بمرض الكزاز، وفقا لمدير إدارة الرعاية الصحية في وزارة الصحة الدكتور بشير القصير.

 

كما ان بقايا الاطعمة ملوثة بالميكروبات والفطريات التي تؤدي الى الاصابة بالالتهابات المعوية والرئوية أو التهابات فيروسية عن طريق تلامس الايدي، بحسب القصير.

 

و اضاف انه قد توجد بعض الادوات الطبية في الحاويات يتم استخدامها كالحقن تكون ملوثة بدم المصاب وتنتقل الى النابشين ومنها الامراض التي تنتقل عن طريق الفم والانف.

 

ويدعو القصير المواطنين الى الحرص على أنفسهم ، والابتعاد عن اماكن التلوث كالقمامة.

 

وتعارض اللجان الخاصة بحقوق الانسان قيام المواطنين بنبش الحاويات حرصاً على حقوقهم الانسانية التي تحتاج الى عناية في المجتمع، بحسب رئيسة لجنة الحريات العامة وحقوق الانسان النقابية، التابعة لمجمع النقابات المهنية المحامية نور الامام.

 

وتحمل الإمام وزارة التنمية الاجتماعية مسؤولية ازاء هذا الامر، تتمثل في ضرورة ايجاد منظومة اجتماعية في الاردن لحماية هؤلاء الاشخاص في نهاية اعمارهم من التعرض للحط من كرامتهم.

 

ولا يوجد قانون أو تشريع يمنع نبش الحاويات، بحسب الإمام التي تتساءل في ذات الوقت "هل يضطر المواطن الاردني من اجل ان يعيش" إلى نبش الحاويات.

 

وتستدرك "هنا يجب ان يتم تفعيل دور المعونة الوطنية بما يكفل الكرامة الانسانية، اذا كان هذا الشخص يقوم بعملية النبش جوعاً، او يتخذها تجارة لبيع البلاستيك. وفي الحديث عن ما يتعلق بالكرامة الانسانية؛ تعتقد الإمام ان هناك ضرروة إلى "وقفة تكاتفية لكي لا يضطر المواطن بلحظة من اللحظات ان يبحث في حاويات القمامة عن مصدر عيش".

 

ويكفل الدستور الحق في العمل لكل المواطنين "حسب إمكانات الدولة"، وفقا للإمام التي تشير إلى ان وزارة العمل تتبنى استراتيجية وطنية للتشغيل موجهة لشرائح مختلفة، ومن خلالها "يجب الانتباه لفئة نابشي الحاويات، الذين يجب شمولهم في مظلة صندوق المعونة لايجاد فرص عمل للقادرين منهم، بينما غير القادرين فيجب على الدولة ان تحسن من وضعهم العام وتوفير حالة من حالات الكفالة لهم".

 

وعلى الرغم من دور وزارة العمل في توفر فرص للعمل الا انها تقف محايدة أمام اختيار الافراد لنوع عملهم عازيه ذلك لإدراك المواطن بالفرصة التي تناسبه بصفة آمنة بعيدة عن تأثره بأي أضرار تلحق به مثل نابشي الحاويات، بحسب مدير المشروع الاعلامي في وزارة العمل أحمد فهيم.

 

وتقع مسؤولية معالجة ظاهرة نبش النفايات ذات الأثر البيئي والصحي، على كاهل "جهات اخرى"، غير وزارة العمل وفقا لفهيم الذي يتابع انه "ضمن صلاحية الوزارة نعمل على توزيع فرص العمل على الجميع بالتساوي من خلال المعارض الوظيفية، ودورنا في التثبت من عدم وجود اطفال دون السن المصرح له بالعمل، هذا جزء للحد من ذلك ويتم التعامل مع هذه الحالات بتحديدها من خلال مركز الدعم الاجتماعي المخصص بتعليمهم وفي حال كان معيلا لاسرته يتم توفير فرص عمل لوالده".

 

واقتصاديا يفرق الصحفي والخبير الاقتصادي فايق حجازين بين شقين في هذه الظاهرة "الأول ان هذه الفئة لديها عادة اجتماعية وان نظرنا الى هذه الفئة تبحث عن الرزق في الحاويات وهذه الفئة نوعين يتخذون منها تجارة، التقاط الرزق، الاغلب بالنبش اعادة التدوير حيث ان حجمها في الاقتصاد لا يظهر، الا اننا نستطيع ملاحظته بالاقتصاد غير الرقمي ونلاحظه بحجم الخردة التي تصدر ويتم مداولتها عن طريق مصانع الحديد فهذه يتم جمعها من حاويات القمامة" .

 

أما الشق الآخر حسب حجازين " يوجد مواطنون فقراء عفيفو النفس لا يذهبون الى الجهات المعنية لكفالتهم بل يبقون بانتظار أصحاب الصدقة ، وبعضهم الآخر يتبع اسلوبا في التواصل مع وزارة التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية "

 

ويقول ان "الذي يجعل ظاهرة الفقر ترتفع متطلبات الحياة الاساسية التي جعلت فجوة الفقر اوسع ، وظهور خدمات اخرى مثل الاتصالات التي ادت الى زيادة تكاليف الاسرة "، في وقت تراجعت فيه الحكومة عن دعم الشرائح الاقل فقرا.